مجلة نورسين تلتقي الروائية الإماراتية "سارة سالم".. مؤلفة رواية "حمّى داخلية"

سارة سالم: لابد من اقتحام مناطق الصمت داخل السرد العربي

 

أجرى اللقاء:

قسم التحرير – آيات بسيسو

مشروع نورسين الثقافي

مقدمة: حين نلتقي بروائية مثل سارة سالم، فإننا نلتقي بتجربة إنسانية كاملة، بوعي تشكّل على مهل، وبصوت أدبي يعرف كيف ينصت للوجع اليومي، ويعيد صياغته في سردٍ لا يدّعي البطولة ولا يهرب من الحقيقة. في رواياتها، لا تبحث سارة عن الإدهاش السريع، بل عن الصدق، عن الإنسان وهو في أكثر لحظاته هشاشة، وعن العلاقات حين تتعرّى من أقنعتها الاجتماعية. الكتابة لديها ليست ترفًا ولا هروبًا، بل مواجهة هادئة مع الأسئلة الصعبة: العائلة، السلطة، الحب، الذنب، والرغبة في النجاة. في هذا اللقاء، نحاول الاقتراب من عالمها، لا بوصفها كاتبة فقط، بل بوصفها شاهدة على زمن، وصانعة حكايات تعرف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع المعنى الكبير.

 


حين تصبح الكتابة شرطًا للتوازن الداخلي..

1. متى شعرتِ للمرة الأولى أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل مسار حياة لا يمكن التراجع عنه، وما اللحظة التي حسمت هذا القرار داخلك؟

 

أنا بطبعي إنسانة كثيرة التفكير، أحبّ التخيل إلى حدّ أنني أبدأ يومي وأنهيه دائمًا بسؤال ماذا لو، ومن هذا السؤال تولد الأحداث في ذهني، وأنسج منها عوالم كاملة لا تمتّ لواقعي بصلة.

 هذه الصفة رافقتني منذ الصغر، إلى أن أدركت أن كل هذا الخيال لا بد أن يجد طريقه إلى الورق، حينها أيقنت أن عليّ أن أكتب، أن أصنع روايات وقصصًا تحمل تلك العوالم التي تعيش داخلي.

 وهكذا بدأت حكايتي مع الكتابة، بدأت فعليًا منذ تسع سنوات، وكانت حصيلة هذه السنوات كلّها رواية حمّى داخلية.

 

اللغة شريكة لا أداة

2. كيف تصفين علاقتك باللغة العربية بوصفها أداة تعبير، وهل تشعرين أحيانًا بأنها تقودك أكثر مما تقودينها أثناء الكتابة؟

 

اللغة العربية هي اللغة الأم، وبالطبع أجد الراحة في التعبير بها رغم إجادتي اللغة الإنجليزية، العلاقة باللغة العربية علاقة حميمة ومليئة بالتحدي، ثراؤها يفتح مساحات واسعة، ويضع الكاتب أمام اختبار دائم.

 في لحظات كثيرة تفرض اللغة إيقاعها الخاص، وتقود إلى مناطق لم تكن ضمن النية الأولى، حين تتقدّم الكتابة بصدق تتحول اللغة إلى شريكة كاملة، تمارس دورها بحزم ودقة، وتعلّم الكاتب التجريد والانتباه للتفاصيل

 

 


العائلة: أول حب، وأول سلطة، وأول خيبة..!

3. في رواياتك حضور قوي للعائلة بوصفها مساحة حب وصراع في آن واحد، هل هذا الهاجس نابع من تجربة شخصية أم من مراقبة اجتماعية طويلة؟

 

هو نابع بالأساس من مراقبة اجتماعية طويلة، ولا أنكر أن بعض التجارب الشخصية قد تؤثر بطريقة ما في إدخال الحضور العائلي ودمج الحب والصراع معًا،

هذا يحدث في كل منزل، ولكن بصور متفاوتة، منها الطبيعي ومنها غير المقبول

 

 

المسكوت عنه لا يتم اختياره… بل يفرض نفسه

 

4. رواية "حمى داخلية" تبدو مشغولة بالمسكوت عنه داخل البيوت والعلاقات، كيف تختارين هذه المناطق الحساسة دون الوقوع في المباشرة أو الوعظ؟

 رواية "حمى داخلية" لا تنشغل بطرح القضايا الحساسة من باب الصدمة أو الإثارة، بل من باب فهم الإنسان في لحظات ضعفه وتعقيده، أنا لا أبحث عن المحرّم بحد ذاته، بل عن المسكوت عنه نفسيًا وعاطفيًا، تلك المناطق التي يعيشها البشر بصمت داخل البيوت وخلف الأبواب المغلقة.

 اختياري لهذه المساحات يأتي من إيماني أن الأدب ليس منصة وعظ، ولا محكمة أحكام، بل مرآة تعكس التناقضات الإنسانية كما هي، الخير والشر، القوة والانكسار، الإيمان والشك، دون أن تفرض على القارئ موقفًا جاهزًا.

 أحاول دائمًا الاقتراب من هذه المناطق بحس إنساني هادئ، يركّز على الدوافع الداخلية والأسئلة الوجودية أكثر من تركيزه على الأفعال الظاهرة، ما يهمني ليس الحدث بقدر ما يهمني ما يحدث داخل الروح أثناءه.

 

الشخصيات كائنات متناقضة لا تنتظر التبرئة

5. شخصياتك لا تُقدَّم كشخصيات خيّرة أو شريرة، بل كائنات متناقضة، هل تؤمنين أن الأدب يجب أن يدافع عن الشخصيات أم يتركها تواجه القارئ بلا حماية؟

 

لا أرى أن وظيفة الأدب هي الدفاع عن الشخصيات أو تبرئتها، فالحكم في النهاية متروك للقارئ، ولكل قارئ زاويته في الفهم، دوري ككاتبة ليس إصدار الأحكام، بل تقديم الإنسان في تعقيده كما هو.

 في حمى داخلية الشخصيات الرئيسية ليست خيرًا خالصًا ولا شرًا مطلقًا، بل يمتزج الخير والشر داخل كل شخصية، ولهذا أترك للقارئ حرية أن يقرر مع من يقف، وغالبًا ما يقف القارئ مع الشخصية التي يشعر بقربها منه، فيراها خيّرة في نظره حتى لو غلبها شرّها في بعض المواقف.

 


 

الشخصية الروائية تولد من الإلهام.. ومن صوت داخلي لا يهدأ

6. كيف تولد الشخصية لديك، من فكرة، من صورة، من صوت داخلي، أم من حدث صادم؟

 

تولد الشخصية الروائية من عنصر بالغ الأهمية هو الإلهام، قد تأتي الشرارة من أغنية، من موقف عابر في الشارع، من صوت داخلي لا يهدأ، أو من حدث صادم يترك أثره في الذاكرة، كل هذه التفاصيل تتحول داخل الكاتب إلى بذرة شخصية تنمو مع الوقت، إجابتي ببساطة جميع ما سبق.

 

 

الرواية صراع داخلي وإنساني.. حجر صغير يُلقى يحدث دوائر تمتد إلى بقية السرد

7. في رواية "حمى داخلية" هناك تصاعد درامي بطيء لكنه كثيف، كيف توازنين بين الإيقاع السردي والحفاظ على التوتر دون استعجال؟

 

هذه الرواية استغرقت مني تسع سنوات من الكتابة والمراجعة، كنت أضيف حدثًا ثم أتراجع، أراجع المشهد مرارًا، وأسأل نفسي هل هذا الحدث ضروري فعلًا أم مجرد حشو..!

 ولأن الرواية في جوهرها صراع داخلي وإنساني، كنت أتعامل مع كل مشهد كأنه حجر صغير يُلقى في ماء راكد، لا بد أن يحدث دوائر تمتد إلى بقية السرد، إذا لم أشعر بارتفاع التوتر بعد إضافة حدث ما كنت أستبعده دون تردد.

 بهذا التوازن بين الصبر في البناء والصرامة في الاختيار، حافظت على إيقاع هادئ ظاهريًا، لكنه مشحون من الداخل

 

 

الكتابة نوع من التطهير الداخلي، ومواجهة ما هو غامض

 

8. هل تكتبين بدافع الفهم، أم بدافع التطهير، أم أن الكتابة لديك مساحة ثالثة لا تنتمي لأي منهما؟

 

لا أستطيع أن أحصر الكتابة في دافع واحد، فهي تبدأ بدافع الفهم، لكنها لا تنتهي عنده، أكتب لأفهم الإنسان وتناقضاته وأسئلته الصامتة.

وفي الطريق تتحول الكتابة أحيانًا إلى نوع من التطهير الداخلي، بمعنى مواجهة ما هو ثقيل أو غامض ومنحه شكلًا يمكن احتماله على الورق.

 

رواية حمّى داخلية سهلة في مفرداتها، سلسة في أحداثها، يمكن تخيّل مشاهدها

 

9. كيف تتعاملين مع ردود فعل القرّاء، خصوصًا حين يختلف تأويلهم للعمل عن نيتك الأصلية؟

 

روايتي ما زالت حديثة نسبيًا، لذلك لم أتلقَّ الكثير من الآراء بعد، لكن الحمدلله كانت معظمها إيجابية، كثيرون وصفوا الرواية بأنها سهلة في مفرداتها، سلسة في أحداثها، وتجعل القارئ يتخيّل المشاهد وكأنها تحدث أمامه.

وشعرت أن الفكرة العامة التي أردت إيصالها قد وصلت دون تعقيد أو غموض زائد.

 

 


التكرار هو العدو الحقيقي لأي روائي

10. هل تخافين من تكرار نفسك كروائية، وكيف تحاولين في كل عمل جديد كسر ما أنجزته سابقًا؟

 

أرى أن التكرار هو العدو الحقيقي لأي روائي، حتى وإن لم يعترف بذلك، أحيانًا يكرر الكاتب نفسه خوفًا من المغامرة أو من آراء الآخرين، أما أنا فأتعامل مع الكتابة كمساحة حرة تمامًا، على الورق لا توجد حدود ولا خوف، في كل عمل جديد أسعى إلى مغادرة المنطقة التي اعتدت عليها، وأن أجرّب ما هو مختلف وأعمق وأكثر صدقًا، وإذا شعرت يومًا أنني أكرر نفسي، فسأعرف أنني لم أكن شجاعة بما يكفي.

 

 

الأفضل أن يترك الروائي مسافة بينه وبين النص..

 

11. ما أكثر سؤال شخصي تطرحه عليك الكتابة، حتى لو لم يظهر صريحًا على الورق؟

 

أكثر سؤال تطرحه علي الكتابة هو سؤال الصدق الإنساني، إلى أي مدى يمكن للنص أن يقترب من الداخل دون أن يتحول إلى اعتراف مباشر؟

كثيرون يتساءلون إن كنت أكتب عن نفسي، لكنني أرى أن الشخصيات الروائية تولد من الخيال بقدر ما تولد من الفهم، قد تحمل شيئًا من إحساس مررت به أو فكرة تأملتها، لكنها في النهاية كائنات مستقلة تعيش داخل عالمها الخاص.

أفضل أن أترك مسافة بيني وبين النص، لأن ما يهمني ليس أن أروي نفسي، بل أن أروي الإنسان في تعدده وتعقيده.

 

 

لابد من اقتحام مناطق الصمت داخل السرد العربي

12. كيف ترين المشهد الروائي اليوم، وهل ما زالت الرواية قادرة على مساءلة الواقع بعمق في زمن السرعة؟

 

أرى أن المشهد الروائي اليوم يتحرك داخل زمن سريع تتبدّل فيه القضايا باستمرار، هناك مسائل كانت تُعد صادمة قبل سنوات وأصبحت اليوم مألوفة، لأن الناس اعتادوا سماعها.

لكنني لا أؤمن بأن على الرواية أن تركض خلف الترند، ما يعنيني هو القضايا الإنسانية العميقة، خصوصًا تلك التي بقيت طويلًا في مناطق الصمت داخل السرد العربي، لابد من اقتحامها، ما دامت الرواية قادرة على الغوص في النفس البشرية فستبقى قادرة على مساءلة الواقع بعمق.

 

 


روايتي الجديدة درامية باللغة العربية الفصحى

13. هل هناك مشروع روائي قادم تعملين عليه حاليًا، وما الذي يختلف فيه عن أعمالك السابقة؟

 

نعم أعمل حاليًا على رواية جديدة باللغة العربية الفصحى، الأسلوب سيبقى ضمن الإطار الدرامي، لكن القصة مختلفة تمامًا.

 

سارة سالم: أريد أن أكون صوتا لمن لا يستطيعون الحديث وأقول مالا يقال

14. بعد كل ما كتبته "سارة سالم" حتى الآن، من هي الكاتبة التي تطمحين أن تكونيها بعد عشر سنوات؟

 

أطمح بعد عشر سنوات أن أكون نفسي، لكن بشمولية أكبر وقلب أشجع، كاتبة لا تخشى الاقتراب من المساحات التي يفضّل الكثيرون الصمت عنها، ولا تتردد في ملامسة الهشاشة الإنسانية كما هي.

 أريد أن أكتب عن الإنسان في ضعفه قبل قوته، وأن أكون صوتًا لما يُحَسّ في الداخل ولا يُقال، عبر قصة حية تعيشها الشخصيات بدل أن تشرحها.

 أطمح أن أقول ما لا يُقال، لا بخطاب مباشر، بل بحياة كاملة تعيشها شخصياتي على الورق.

 

شكرا لك،،

 

في الختام، ترى هيئة التحرير في مجلة نورسين أن الروائية الإماراتية سارة سالم صاحبة حضور حقيقي بدأ يتشكّل على مهل، تكتب وهي تعرف أن الحكايات الحقيقية تختبىء في مكان عميق في المجتمعات، ولابد من استخراجها ومعالجتها، وفي سردها، لا تبحث عن البطولة، ولا تلهث خلف الأضواء، بل تنحاز إلى الإنسان العادي في أكثر لحظاته التباسًا، حين يختلط الحب بالذنب، والقرب بالأذى، والنية الطيبة بالنتائج القاسية.

ما يميّز الروائية "سارة سالم" أنها لا تكتب لتحصد الاعجاب والشهرة والنجومية، بل لتفهم أكثر، وتتمكن من صياغة شخصياتها الروائية كي تتمكن من تسليط الضوء على مشكلاتهم التي يصعب الحديث عنها، فهي كاتبة تعرف أن الرواية سؤال طويل النفس، وأن الأدب الحقيقي لا يقدّم خلاصًا جاهزًا، بل يفتح نافذة على الداخل، ويترك القارئ وحيدًا مع تأملاته. لذلك تبدو أعمالها وكأنها تُقرأ ببطء، لا لأن لغتها معقّدة، بل لأن أثرها لا يُستهلك سريعًا.

وجدنا أن "سارة سالم" في "حمّى داخلية" تكتب من منطقة شجاعة: منطقة الصدق الهادئ. يراكم حضوره صفحة بعد صفحة، حتى يصبح جزءًا من الذاكرة الشعورية للقارئ. ومع كل نص، تؤكد أن الرواية ما زالت قادرة على أن تكون بيتًا للأسئلة، وملاذًا للهشاشة، ومساحة نادرة للإنصات.

"سارة سالم" هي ليست كاتبة تبحث عن أسطورة، بل كاتبة تصنعها بهدوء… أسطورة الصوت الذي لا يخون أسئلته الأولى، ولا يتنازل عن إنسانيته، مهما اشتدّ العالم من حوله.



 

 



 



 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة