رواية "حمّى داخلية" لـ "سارة سالم الطنيجي" ...

حين يكتب الواقع نفسه بهدوءٍ حاد 

بقلم: آيات بسيسو




منذ الصفحات الأولى لرواية "حمّى داخلية" للكاتبة سارة سالم، والتي صدرت عن دار ملهمون للنشر والتوزيع مؤخرا، وتقليت نسخة هدية موقعة من المؤلفة في معرض الشارقة للكتاب، يدخل القارئ إلى فضاء سردي مألوف على نحو مقلق، فضاء متشكّل من قلب الحياة اليومية ووقائعها المتخمة بالتفاصيل الصغيرة. الشخصيات تتحرك بثقة داخل عالمها، والأحداث تنساب بسلاسة تجعل القارئ يشعر بأن النص يتفاعل كأنه تصوير حيّ لسيناريو حياة نابض. هذه السمة تكشف عن وعي سردي متقدّم لدى المؤلفة، وعن قدرة رفيعة على تحويل الحكاية إلى كيان يبدو سابقا لكتابته، وكأن السرد جاء ليلتقط نبضه ويثبته على الورق.

 

وتدور رواية "حمّى داخلية" حول تشابك مصائر مجموعة من الشخصيات في بيئة اجتماعية خليجية معاصرة، تتقدّمها شخصية ليلى، المرأة التي تبدو في ظاهرها مستقرة وناجحة، بينما تخوض في داخلها صراعا نفسيا متصاعدا تحكمه الرغبة في السيطرة، والخوف من الانكشاف، والبحث عن الأمان بأي ثمن. تتقاطع حكاية ليلى مع شخصيات أخرى لكل منها جراحها الخفية وتوتراتها الخاصة، فتتشكل شبكة علاقات معقّدة تتداخل فيها العاطفة مع السلطة، والحب مع الامتلاك، والطموح مع الكبت. ومع تصاعد الأحداث، تنكشف طبقات النفس البشرية واحدة تلو الأخرى، لتتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى مقدمات لانفجارات أخلاقية ونفسية، تعيد مساءلة مفاهيم الخير والشر، والذنب والبراءة، داخل الإنسان نفسه.

تُشيّد الرواية عالمها على قاعدة دقيقة قوامها الإقناع عبر التفاصيل، وبناء المصداقية من خلال اليومي والهامشي. تتحول المشاهد العادية إلى مفاتيح نفسية، وتتحول الجملة العابرة إلى مؤشر بنيوي على اختلال أعمق، وهذا الاختيار يمنح النص قوة هادئة، ويجعل القراءة تجربة شعورية متراكمة، قائمة على بناء تدريجي يتسلل بهدوء عميق إلى وعي القارئ، ويستقر فيه ببطء محسوب.

 


البنية الاجتماعية المتحركة

تقوم "حمّى داخلية" على شبكة من الحكايات المتداخلة المستمدة من واقع شائك وبنية اجتماعية واحدة تتشعب مساراتها وتتشابك نتائجها. تتعامل الكاتبة مع الحدث باعتباره نتيجة طبيعية لمسارات نفسية واجتماعية طويلة، ومع الشخصيات باعتبارها نقاط التقاء حساسة بين الرغبة، والسلطة، والرقابة، والطموح، والخوف. بهذا يتحول السرد إلى مساحة تشريح اجتماعي هادئ، ينشغل بكشف آليات تشكّل الوقائع أكثر من انشغاله بسردها بوصفها وقائع مكتملة.

كل ما يقع في الرواية يبدو منطقيا ضمن السياق الذي صاغته الكاتبة بعناية. العلاقات تتشكّل وفق إيقاع اجتماعي مألوف، والانكسارات تأتي بوصفها حصيلة تراكم طويل من الصمت والتغاضي وتأجيل المواجهة. هذا الاشتغال يمنح الرواية طابع دراسة اجتماعية مكتوبة بلغة أدبية مشبعة بالحرارة الإنسانية، ويجعلها قريبة من القارئ على مستوى الشعور والفهم معا.

الزمن: إحساس بالاستمرار والتدفّق الدائري

تعتمد الرواية على زمن شعوري ممتد، زمن يتقدّم في الظاهر، ويعيد إنتاج ذاته في العمق النفسي. الأيام تمر، والسنوات تُذكر، والتحولات الكبرى تقع، بينما يتجسّد الإحساس العام في حركة دائرية تعيد إنتاج التوتر داخل المساحة نفسها. الشخصيات تنتقل من حالة إلى أخرى، وتحمل معها قلقها القديم، وتسقطه على واقع جديد بصيغة مختلفة.

هذا الوعي الزمني يمنح الرواية عمقا إضافيا، ويجعل "الحمّى" حالة مستمرة تتبدّل مظاهرها وتحتفظ بجوهرها. الزمن يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل القلق وصياغة الاحتراق الداخلي، ويصبح جزءا من البنية النفسية للرواية، لا مجرد إطار للأحداث.

 

السرد وذكاء التنظيم الصامت

يتجلّى نضج الرواية في أسلوب السرد الذي يمنح القارئ مساحة واسعة للملاحظة والاستنتاج. الكاتبة تدير المشهد بدقة، وتفسح المجال للوقائع كي تتكشف عبر تتابعها الطبيعي. يتحول المجتمع ذاته إلى راو ضمني ينبض بصوت الجمع، وتبدو الأحداث وكأنها تُروى بالطريقة التي تُتداول بها داخل البيوت، والمجالس، والذاكرة الجمعية.

هذا الأسلوب يمنح الرواية طابعا توثيقيا شعوريا، ويجعلها أقرب إلى سجل اجتماعي حي، تتحرك فيه الوقائع بحرية سردية تتيح للمعنى أن يتشكل ذاتيا عبر الزمن، دون تدخل مباشر في توجيه القارئ أو فرض قراءة جاهزة.

 

الشخصيات: نماذج حيّة من الداخل

تظهر براعة الكاتبة بوضوح في رسم الشخصيات، حيث تبدو كل شخصية مكتملة من الداخل، محكومة بتاريخها النفسي والاجتماعي، وقادرة على إقناع القارئ بمنطق أفعالها. الشخصيات تتحرك داخل هامش مرسوم بعناية من التوقعات والرقابة والقيود غير المرئية.

ليلى تتجسد كنتاج لطموح تشكّل داخل منظومة تكافئ الإنجاز الظاهري والسيطرة. ناصر يظهر كرجل يحمل سلطة اجتماعية واضحة وارتباكا داخليا مكتوما. سهير تتبلور كصوت مكبوت انفجر في لحظة اختلال نفسي واجتماعي. ريم تمثل صورة أنثوية لامعة يثقلها عبء التوقعات والصورة المثالية. هذه الشخصيات تفرض الفهم العميق قبل أي استجابة عاطفية، وتدفع القارئ إلى إدراك تعقيد الإنسان حين يتحرك داخل شبكة من القيود الصامتة.

 

فضاء نفسي قبل أن يكون جغرافيا

يُبنى المكان في "حمّى داخلية" باعتباره حالة نفسية عامة. البيوت، أماكن العمل، الشوارع، جميعها تخضع لإحساس موحّد يقوم على المراقبة والحساب والقلق من النظرة الاجتماعية. الانتقالات الجغرافية تتحول إلى امتداد للحالة النفسية ذاتها داخل النسيج السردي، ويستمر الشعور بالاختناق رغم تغيّر المواقع.

تفاصيل المكان تُقدَّم بدقة لافتة عبر الحركة، والنبرة، والطقوس اليومية، ما يمنح القارئ حضورا حسيا قويا داخل العالم الروائي، ويجعله جزءا من التجربة لا مجرد متلقٍ لها.

ويتجاوز المكان في رواية "حمّى داخلية" كونه خلفية للأحداث، ليغدو عنصرا حيا يشارك في تشكيل الوعي النفسي للشخصيات. البيئة الخليجية تشكّل القلب النابض للرواية، ببيوتها المغلقة، ومجالسها المفتوحة على الرقابة، وشوارعها التي تحمل ذاكرة النظرة والحساب الاجتماعي. هذا الفضاء المحلي يمنح النص جذوره الواقعية، ويؤسس لحالة القلق المستمرة التي تحيط بالشخصيات أينما تحرّكت.

في المقابل، تأتي كولومبيا كفضاء ذاكرة وحنين، ومكان مشبع بالتناقض. وصول ريم إلى كولومبيا، واستماعها إلى موسيقى "لامبادا" في سيارة الأجرة، يفتح طبقة شعورية جديدة في الرواية، حيث يتحول المكان إلى حاضن للطفولة، والهوية الأولى، والحنين الذي يتجاور مع الصدمة المرتبطة بتاريخ الأب. كولومبيا تظهر كفضاء حر بصريا، غني بالحركة، لكنه محمّل بذاكرة أخلاقية معقّدة، تجعل العودة إليه فعل مواجهة لا استرخاء.

أما كندا، فتظهر في الرواية كمساحة حلم مؤجل، وفضاء احتمال بعيد، حيث تُستدعى باعتبارها فكرة للحياة المنظمة أكثر من كونها تجربة معيشة مكتملة. حضورها السردي يعكس تطلع الشخصيات إلى نظام مختلف، وإلى حياة أكثر انتظاما، لكنه يظل مرتبطا بالتصور الذهني أكثر من التحقّق الفعلي، ما يجعلها رمزا للحلم الخارجي المعلّق في الأفق.

الانتقالات بين هذه الأمكنة لا تُحدث قطيعة شعورية، بل تعمّق الإحساس بأن القلق ينتقل مع الشخصيات، ويتخذ أشكالا جديدة بحسب السياق. البيت الخليجي، شوارع كولومبيا، والمدن الغربية، جميعها تتحول إلى مسارح مختلفة لحالة داخلية واحدة، حيث تتغير الواجهات وتبقى التوترات كامنة.

بهذا التوظيف الذكي للمكان، تنجح الكاتبة في بناء جغرافيا نفسية موازية للجغرافيا الواقعية، وتؤكد أن الإنسان يحمل فضاءه الداخلي أينما ذهب. المكان في "حمّى داخلية" يتكلم بقدر ما تصمت الشخصيات، ويكشف عبر تفاصيله الدقيقة ما تعجز عنه الاعترافات المباشرة.

 

اقتصاد لغوي وذكاء دلالي

تعتمد الكاتبة لغة محكية واعية، تشتغل على الإيقاع والدلالة، وتمنح الحوار دورا محوريا في كشف الشخصيات. السرد يلتقط التفاصيل الصغيرة باعتبارها حوامل للمعنى، ويمنح كل جملة وظيفة دقيقة وانضباطا جماليا واضحا

اللغة تؤدي دور أداة كشف، تلتقط المعلن والمضمر، وتسمح للفراغات بأن تقوم بدورها الدلالي، ما يعكس وعيا عميقا بقوة الصمت في إنتاج المعنى.

 

وثيقة قلق اجتماعي

تتحول "حمّى داخلية" إلى وثيقة شعورية عن القلق الجمعي، وعن تراكم الأخطاء الصغيرة، وعن نتائج التغاضي المستمر. النص يفكك صورة الأسرة المتماسكة، ويكشف هشاشتها الداخلية بأسلوب سردي هادئ يعتمد على الكشف الفني، ويضع القارئ أمام واقع اجتماعي يتشكل من الداخل بهدوء حاد.
بهذا المعنى، تمثل الرواية شهادة فنية على مرحلة اجتماعية كاملة، وتتحول القراءة إلى مواجهة صريحة مع الذات والواقع.

 

حين تتكثّف الرؤية في جملة

تتميّز رواية "حمّى داخلية" بقدرتها على تكثيف رؤيتها النفسية والاجتماعية داخل جُمل تأملية عميقة، تتسلل بهدوء داخل النسيج السردي، لكنها تحمل كثافة فلسفية عالية عند التوقف أمامها. من ذلك قول الساردة في مفتتح الرواية: "غالبا ما يغمرنا الغرق في بحر الأحلام براحة لا نجدها في الواقع، فلا يوجد أي مكان للمحدودية، والمنطق فيه، فهما منفيان خارج نطاق الأحلام لما يجلبانه من قلق وإحباط في ذهن الحالم." وهذه الجملة تؤسس منذ البداية لرؤية فكرية واضحة تحكم مسار الرواية، حيث يتحول الحلم إلى مساحة وجودية بديلة، لا بوصفه هروبا، بل باعتباره ملاذا نفسيا مؤقتا من قسوة الواقع. القراءة النقدية لهذه العبارة تكشف وعيا فلسفيا دقيقا لدى الكاتبة، إذ تضع الصراع المركزي بين الحلم والمنطق في قلب التجربة الإنسانية، وتلمح مبكرا إلى الثمن الذي سيدفعه من يسمح للحلم أن يقوده بلا مساءلة.

في موضع آخر، تتكثف الرؤية الأخلاقية للنص في العبارة التالية:

"قد يأذن للدمار، والشعور بالغدر، أن يهطل على أناس آخرين، لم يكن سبب انطفاء شمعتهم سوى اشتعال شمعة شخص آخر."

تحمل هذه الجملة ثقلا إنسانيا وأخلاقيا بالغ العمق، وتكشف رؤية الرواية لمسألة النجاح والعدالة بوصفهما معادلة مختلة في عالم تحكمه المصالح والتفاوتات. هنا لا تقدّم الكاتبة حدثا، بل تضع القارئ أمام حقيقة مؤلمة: أن تحقق الأحلام في عالم غير عادل قد يولد الخراب بقدر ما يولد الفرح.

أما ذروة الرؤية النفسية في الرواية، فتتجلى في السؤال الوجودي الذي يشكل جوهر العنوان نفسه:
"
ماذا لو أيقظ هذا الظلم حمى داخلية لا تنطفئ، رافعة راية الانتقام، معلنة نفي مشاعر الرحمة."

هذه العبارة تمثل مفتاحا فلسفيا لفهم البناء النفسي للشخصيات، حيث تتحول المشاعر المكبوتة إلى طاقة داخلية حارقة، وتغدو الحمى حالة وجودية أكثر منها انفعالا عابرا. القراءة التحليلية لهذه الجملة تكشف إدراك الكاتبة العميق لكيفية تشكل العنف الداخلي، وكيف يتحول الظلم غير المعالج إلى قناعة، ثم إلى سلوك، ثم إلى مصير.

بهذا الاشتغال على الجملة التأملية، تنجح "حمّى داخلية" في تقديم نص لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يزرع داخلها أسئلة فلسفية وأخلاقية تظل فاعلة في ذهن القارئ بعد انتهاء القراءة، مؤكدة قدرة الكاتبة على تحويل اللغة إلى أداة تفكير، لا مجرد وسيلة حكي.

 بهذا الاشتغال على الجملة اليومية، تنجح "حمّى داخلية" في تحويل الحوار المحكي إلى وثيقة نفسية دقيقة، وتمنح القارئ مفاتيح الفهم دون خطاب تفسيري مباشر، وهو ما يعكس نضجا فنيا واضحا في التعامل مع اللغة باعتبارها حاملة للوعي لا أداة شرح.

تترك رواية "حمّى داخلية" أثرها لأنها تنهي القراءة وتُبقي الأسئلة حيّة. تستقر الرواية في الذاكرة بعمق، وتكشف عن قدرة كاتبتها على إدارة السرد، والشخصيات، والزمن، والمكان بوعي ناضج وحساسية إنسانية عالية. عمل أدبي متكامل، يُقرأ باعتباره أدبا رفيعا، ووثيقة اجتماعية، ومرآة إنسانية صادقة في آن واحد.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة